السيد محمدحسين الطباطبائي

228

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

حياة أبقى ؟ قال اللّهمّ لا ، قال : أمّا العيش الهنيء : فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ولا ينسى نعمتي ولا يجهل حقّي ، يطلب رضائي في ليله ونهاره . وأمّا الحياة الباقية : فهي التي يعمل لنفسه حتى تهون عليه الدنيا وتصغّر في عينيه ، « 1 » وتعظم الآخرة عنده ، ويؤثر هواي على هواه ، ويبتغي مرضاتي ، ويعظّم حقّ نعمتي ، ويذكر عملي « 2 » به ، ويراقبني بالليل والنهار عند كلّ سيّئة أو معصية ، وينّقي قلبه عن كلّ ما أكره ، ويبغض الشيطان ووساوسه ، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا وسبيلا . فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّا ، حتى أجعل قلبه وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي ، وأفتح عين قلبه وسمعه ؛ حتى يسمع بقلبه ، وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي ، واضيّق عليه الدنيا ، وابغّض إليه ما فيها من اللذّات ، واحذّره من الدنيا وما فيها كما يحذر الراعي على غنمه مراتع الهلكة ، فإذا كان هكذا يفرّ من الناس فرارا ، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن . يا أحمد ! ولازيّننّه بالهيبة والعظمة ، فهذا هو العيش الهنيء والحياة الباقية ، وهذا مقام الراضين ، فمن عمل برضائي الزمه ثلاث خصال : اعرّفه شكرا لا يخالطه الجهل ، وذكرا لا يخالطه النسيان ، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين ، فإذا أحبّني أحببته ، وأفتح عين قلبه إلى جلالي ، ولا اخفى عليه خاصّة خلقي ، واناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع

--> ( 1 ) . في المصدرين : « عظمتي » ( 2 ) . في المصدرين : « علمي »